الشيخ محمد هادي معرفة
32
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
التشريعية ونبوءاته الغيبية ونظرته الكلّية الكبرى إلى الكون والحياة والإنسان . « 1 » ويسترسل أبوحجر في كلامه : إذا كنّا لا نجد تناقضاً بين الآيات الكونيّة المذكورة في القرآن وبين مايكتشفه العلم في حاضره ومستقبله - بل نجد توافقاً وانسجاماً - فليس ذلك دليلًا على إعجازه المرتبط بالتحدّي ، بل هو دليل على أنّه منزل من عند اللّه تعالى . وليس كلّ ما نزل من عند اللّه معجزاً ، فالتوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السماوية نزلت من عند اللّه ، ولم توصف بالإعجاز كما وصف القرآن ، ولم يقع بها التحدّي كما وقع بالقرآن ! وأيضاً فإنّ الآيات الكونية التنزيلية لا تشمل سوَر القرآن كلّها ولا آياته جميعها ، وإنّما تقع فقط في بعض السوَر وفي بعض الآيات . . ومعلوم أنّ التحدّي وقع بأيّة سورة من سوَر القرآن ، فكلّ سورة من سوَرها فيها إعجاز لايبلغه أحد ولنيصل إليه أحد . قال : فلو كان القرآن معجزاً بسبب الإشارات العلمية المتفرّقة في ثنايا بعض آياته لكان كثير من السوَر التي تخلو من مثل هذه الإشارات بعيدة عن الإعجاز ، ولم يقل بذلك أحد ، لإنّ قليل القرآن وكثيره معجز . وإذا ثبت أنّ قليل القرآن وكثيره معجز ثبت أنّ ما في القرآن من حقائق الأخبار ودقائق الشرائع وعجائب الأسرار - التي لميعرفها البشر إلّا بعد القرون المتطاولة - كلّ ذلك بمعزل عن الذي طولب به العرب أن يعارضوه ، بما حملهم على الاعتراف بأنّه كلام ربّ العالمين . « 2 » وأضاف : أنّ هذا الوجه من الإعجاز - على القول به - لنيوفّق إلى فهمه والإحاطة به إلّا من كان من أهل العلم الذي يدرك هذه الحقائق ويعيها ويؤمن بصدقها ، فإن لميكن من أولئك حجب عنه هذا الوجه . وأخيراً ، فإنّ في هذا الوجه منزلقاً خطيراً ، إذ أنّ بعض من يدّعي العلم قديُحمّل آيات مِن القرآن في هذا السبيل ما لا تحتمل ، وقد ينسبون إلى العلم ما هو منه براء ، رغبة في
--> ( 1 ) - مباحث في علوم القرآن ، ص 320 - 321 . ( 2 ) - انظر : الظاهرة القرآنية ، تقديم محمود شاكر ، ص 22 .